منذ سبتمبر 2025، أعلنت المحكمة الشعبية العليا في الصين أن تجنب دفع اشتراكات التأمينات الاجتماعية من قبل العمال وأصحاب العمل أصبح غير قانوني، في خطوة إصلاحية كبرى تهدف إلى إعادة توزيع الموارد من المنتجين إلى المستهلكين عبر نظام الرفاه الاجتماعي. ومع ذلك، تشير البيانات الميدانية إلى أن الامتثال لا يزال جزئياً، مما يثير تساؤلات حول قدرة بكين على تنفيذ التحولات الاقتصادية الهيكلية في ظل ضغوط مالية على الشركات.
فجوة بين القانون والواقع الميداني
على الرغم من أن الإجراء يهدف إلى تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، إلا أن الواقع يشير إلى استجابة الشركات بتقليل التكاليف بدلاً من الامتثال الكامل. تشير استطلاعات أجرتها مجموعة "تشونغه" في أغسطس الماضي إلى أن نسبة 34.1% فقط من 6,689 شركة كانت تلتزم بالكامل بالدفعات المطلوبة. في المقابل، أظهرت الشركات استراتيجيات متعددة للالتفاف على القانون، مثل إعادة هيكلة الرواتب لدفع الاشتراكات على أساس راتب أساسي منخفض، أو تحويل جزء من الدخل إلى مكافآت لا تخضع للضمان الاجتماعي.
في مدينة دونقوان، أعادت شركة إمداد قطع غيار للسيارات هيكلة الرواتب لتدفع الاشتراكات على أساس راتب أساسي يقارب ثلث الدخل الشهري الإجمالي الذي يصل إلى 12,000 يوان (نحو 1,747 دولاراً). هذا الإجراء يعني أن العمال يتحملون جزءاً من العبء، حيث تقدر مساهمة الموظف بنحو 10% من الدخل، بينما تتحمل الشركة 25%، مما يخلق توتراً بين الرغبة في تحسين الدخل الحالي مقابل ضمانات طويلة الأجل.
ضغوط مالية على الشركات والعمال
تواجه الشركات الصينية تحديات جسيمة في الامتثال، حيث تشير تقارير إلى أن بعض المصانع تدفع مساهمات أقل من المطلوب قانونياً، بينما يرفض البعض الآخر الدفع تماماً لعدم قدرتهم المادية. في مصنع أثاث، صرح المالك بأن العبء على شركته ثقيل بالفعل، وأن الضغط من السلطات قد يؤدي إلى انهيار المصانع الصغيرة. كما أن المنافسة الشرسة، وانخفاض الطلب المحلي، والديون المرتفعة، والحروب السعرية الناتجة عن فائض الإنتاج الصناعي، تجعل من الصعب على الشركات تحمل تكاليف التأمينات الكاملة.
من جانب العمال، تظهر الاستجابات تبايناً كبيراً. في مصنع في شينزين، يصر 30% من العمال على عقود غير رسمية لتجنب دفع الاشتراكات. في المقابل، واجهت موظفة مالية تسمى "يو" خفضاً صافياً في دخلها بنسبة 27%، حيث انخفض راتبها من 4,800 يوان إلى 4,000 يوان، ودفع 500 يوان كاشتراك. كما يعمل موظف آخر يدعى "دانيال تشانغ" لساعات طويلة (10 ساعات يومياً) مقابل 5,000 يوان شهرياً، ويضطر للعمل الإضافي في توصيل الطعام ليلاً لكسب 3,000 يوان إضافية لتغطية نفقاته.
تأثيرات اقتصادية وتحديات مستقبلية
رغم التحديات، فإن الإيرادات المخصصة للتقاعد الحضري شهدت نمواً، حيث ارتفعت بنسبة 5.77% لتصل إلى 7.8 تريليون يوان العام الماضي، وبنسبة 5.61% في عام 2024. ومع ذلك، يرى محللون أن هذه الخطوة تمثل اختباراً حاسماً لقدرة بكين على تحقيق التوازن بين النمو المعتمد على الصادرات وتحفيز الاستهلاك المحلي.
يؤكد الخبراء أن التحدي الأكبر يكمن في قبول الألم قصير الأجل لتحقيق مكاسب طويلة الأجل. في ظل استمرار الشركات في الالتفاف على القانون، قد تتأثر قدرة الصين على تحقيق التحول الهيكلي المطلوب، خاصة مع اقتراب الاجتماع السنوي للبرلمان الذي يُعد مؤشراً رئيسياً لوتيرة الإصلاحات في البلاد.
دروس للمستثمر العربي
تقدم هذه التطورات دروساً مهمة للمستثمرين في منطقة الخليج والشرق الأوسط، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية. فزيادة الالتزام بالتأمينات الاجتماعية قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل في الصين، مما قد يؤثر على سلاسل الإمداد العالمية والأسعار التنافسية للصادرات الصينية. كما أن التحول نحو تحفيز الاستهلاك المحلي قد يفتح فرصاً جديدة للشركات التي تركز على السوق الداخلي الصيني، بينما قد يواجه المصدرون تحديات جديدة في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة السلطات الصينية على فرض الامتثال الكامل دون إلحاق الضرر بالشركات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما قد يؤثر على استقرار السوق الصيني وقدرته على النمو المستدام في المستقبل.
المصدر: Investing.com | تحليل: Rumour Team