في خطوة تاريخية تغير خريطة الاستثمار في الجزيرة الكاريبية، أجازت الحكومة الكوبية في الثالث من مارس شراكات بين الشركات العامة والخاصة لأول مرة منذ ما يقرب من 60 عاماً. ينص القانون الجديد الذي نُشر في الجريدة الرسمية على إنشاء كيان قانوني جديد يُعرف بـ "الشركات المساهمة المحدودة المختلطة"، سيعمل بدءاً من أوائل أبريل المقبل.

إطار العمل الجديد والاحتكارات المحمية

يمنح التشريع الجديد الكيانات الجديدة استقلالية تجارية كاملة، حيث يحق لها تحديد عدد الموظفين والأجور دون الخضوع لقواعد التخطيط المركزي التي تحكم معظم الاقتصاد الكوبي. كما يُسمح لهذه الكيانات بفتح فروع تجارية داخل كوبا وخارجها. ومع ذلك، فإن الحكومة الشيوعية تحافظ بصرامة على احتكار الدولة في ثلاثة قطاعات استراتيجية لا تقبل المنافسة: الصحة والتعليم والدفاع. هذا التوازن الدقيق بين الانفتاح الاقتصادي والسيطرة السياسية هو جوهر الإصلاح الجديد.

نمو القطاع الخاص: أرقام تعيد تشكيل الاقتصاد

لا يحدث هذا القرار في فراغ، بل هو تتويج لمسار نمو طويل الأمد للقطاع الخاص الكوبي. بعد أن أجازت الحكومة في عام 2021 تأسيس شركات صغيرة ومتوسطة بحد أقصى 100 موظف، شهد القطاع الخاص قفزة نوعية. بحلول عام 2025، وصل عدد الشركات الخاصة إلى نحو 9,900 شركة، مما يمثل 15% من إجمالي الناتج المحلي للكوب.

الأكثر إثارة للاهتمام هو تأثير هذه الشركات على سوق العمل والتجارة. فقد وظفت هذه الكيانات الخاصة أكثر من 30% من القوى العاملة النشطة في البلاد. وفي سابقة تاريخية في عام 2025، تجاوزت مبيعات التجزئة في القطاع الخاص مبيعات القطاع العام لأول مرة، حيث مثلت 55% من إجمالي حجم التجارة في السوق. هذا التحول يشير إلى أن القطاع الخاص لم يعد مجرد مكمل، بل أصبح المحرك الأساسي للاستهلاك في كوبا.

تداعيات للمستثمر العربي في الخليج

بالنسبة للمستثمر العربي في منطقة الخليج، يمثل هذا التطور فرصة لإعادة تقييم مخاطر وفرص الاستثمار في أمريكا اللاتينية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها كوبا بسبب تشديد الحصار الأمريكي ونقص العملات الأجنبية. النمو القوي للقطاع الخاص يخلق بيئة مواتية للشركات الخليجية التي تبحث عن أسواق جديدة أو شراكات لوجستية وتجارية.

تُظهر البيانات أن الاقتصاد الكوبي يتجه نحو نموذج مختلط يعتمد على كفاءة القطاع الخاص في إدارة الموارد، وهو ما يتقاطع مع رؤى التحول الاقتصادي في دول الخليج مثل رؤية السعودية 2030. المستثمر الذكي يدرك أن فتح باب الشراكات المختلطة يعني دخول سوق كان مغلقاً أمامه، مع ضمانات قانونية جديدة لحماية الاستثمارات الخاصة في إطار قانوني منظم.

رغم أن الأسواق العالمية شهدت تراجعات طفيفة في مؤشرات البورصات الكبرى، مثل انخفاض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.9% ومؤشر فوتسي 100 بنسبة 2.7%، إلا أن الخبر الكوبي يبرز كقصة نمو محلية مستقلة عن التقلبات العالمية. التقييم النقدي لهذا التطور يتطلب مراقبة كيفية تطبيق القوانين الجديدة في أبريل، ومدى سرعة استجابة السوق للاستقلالية الجديدة في تحديد الأجور والتوظيف.

المصدر: Hurriyet Daily News Economy | تحليل: Rumour Team